الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
396
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
جملة مستأنفة للتهديد والوعيد على التكذيب والتولي ، أي إذا كذب بما يدعى إليه وتولى أتظنه غير عالم بأن اللّه مطلع عليه . فالمفعول الأول ل « رأيت » محذوف وهو ضمير عائد إلى الَّذِي يَنْهى [ العلق : 9 ] والتقدير : أرأيته إن كذب . . . إلى آخره . وجواب إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى هو أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى كذا قدر صاحب « الكشاف » ، ولم يعتبر وجوب اقتران جملة جواب الشرط بالفاء إذا كانت الجملة استفهامية . وصرح الرضي باختيار عدم اشتراط الاقتران بالفاء ونظّره بقوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ [ الأنعام : 47 ] فأما قول جمهور النحاة والزمخشري في « المفصّل » فهو وجوب الاقتران بالفاء ، وعلى قولهم يتعين تقدير جواب الشرط بما يدل عليه : أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى والتقدير : إن كذب وتولى فاللّه عالم به ، كناية عن توعده ، وتكون جملة : أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى مستأنفة لإنكار جهل المكذب بأن اللّه سيعاقبه ، والشرط وجوابه سادّان مسدّ المفعول الثاني . وكني بأن اللّه يرى عن الوعيد بالعقاب . وضمن فعل يَعْلَمْ معنى يوقن فلذلك عدي بالباء . وعلق فعل أَ رَأَيْتَ هنا عن العمل لوجود الاستفهام في قوله : أَ لَمْ يَعْلَمْ والاستفهام إنكاري ، أي كان حقه أن يعلم ذلك ويقي نفسه العقاب . وفي قوله : إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى إيذان للنبي صلى اللّه عليه وسلم بأن أبا جهل سيكذبه حين يدعوه إلى الإسلام وسيتولى ، ووعد بأن اللّه ينتصف له منه . وضمير كَذَّبَ وَتَوَلَّى عائد إلى الَّذِي يَنْهى * عَبْداً إِذا صَلَّى [ العلق : 9 ، 10 ] ، وقرينة المقام ترجّع الضمائر إلى مراجعها المختلفة . وحذف مفعول كَذَّبَ لدلالة ما قبله عليه . والتقدير : إن كذبه ، أي العبد الذي صلى ، وبذلك انتظمت الجمل الثلاث في نسبة معانيها إلى الذي ينهى عبدا إذا صلى وإلى العبد الذي صلى ، واندفعت عنك ترددات عرضت في التفاسير . وحذف مفعول يَرى ليعمّ كل موجود ، والمراد بالرؤية المسندة إلى اللّه تعالى تعلق علمه بالمحسوسات .